Créer un site gratuitement Close

منار الفلسفة

الوضع البشري

يقصد بالوضع البشري ما يترتب عن الوجود البشري من قضايا ومواقف تنتج بصفة خاصة انطلاقا من العلاقات التي يربطها بذاته وبالغير وبالمحيط وبالصيرورة باعتبار أن وجوده ليس وجودا جامدا أو ثابتا بل هو وجود يتحرك في الزمن والتاريخ ،ومن تم ينتج الوضع البشري داخل حقل المعارف مفاهيم يمكن التوقف عند أهمها في الحقل الفلسفي كالشخص والغير والتاريخ ،وإذا كان التاريخ يدخل ضمن مقاربة خاصة في العلوم الإنسانية فإن الشخص والغير قد حضيا بالمعالجة الفلسفية وذلك كالآتي :

1 -  الشخص

يرتبط معنى الشخص بالأنا الذاتي أي الأنا الداخلي الذي يرادف في الدلالة اللغوية الشخص عينه أو هو نفسه ،إلا أن هذا المعطى الداخلي ليس معطى لا شكل خارجي له بل هو يتمظهر انطلاقا من مجموع الصفات والخصائص والمميزات التي تحدد الفرد وتمثل هويته والتي يمكن اعتبارها شخصيته فإذا كانت الشخصية والشخص واشتقاقاتهما يحيلان على القناع والدور فإنهما يحيلان أيضا على معنى الوضوح والتميز وهذا هو ما يجعل من معنى الشخص معنى يتداخل فيه الخارجي المظهري مع الداخلي السيكولوجي و الوجودي .وتؤدي المقاربة الفلسفية لمفهوم الشخص إلى طرح الإشكالات الآتية :

- ما الذي يحقق هوية الشخص ؟ (  الشخص والهوية ).

- ما هي القيمة الأخلاقية للشخص ومم يكتسبها ؟ ( الشخص بوصفه قيمة ).

-هل الشخص حر أم يخضع لإكراهات ؟( الشخص بين الحتمية والحرية ).

1 ما الذي يحقق هوية الشخص ؟يطرح هذا الإشكال مصدر الوعي الذاتي بالكينونة أي الوعي بالوجود الذاتي المستقل ،وقد قدمت الفلسفة أطروحات ساهمت في معالجة هذا الإشكال وكانت على الشكل الآتي :

ديكارت :يرى الفيلسوف الفرنسي ديكارت أن ما يحقق الوعي بالأنا هو فعل التفكير ،فهناك تلازم بين الوعي بالكينونة وممارسة التفكير ويتضح ذلك جليا من خلال الكوجيطو )  أنا أشك إذا أنا أفكر إذا أنا موجود ) حيث يرتبط فعل الوجود بفعل التفكير ويؤكد ديكارت على أن هذا الوعي ليس ناتجا عن أي شيء آخر ما عدا عن التفكير العقلي كنور فطري يدرك بالبداهة .

جون لوك :على عكس الموقف العقلاني الذي انتهى إليه ديكارت يرى جون لوك كأحد أقطاب الفكر التجريبي أن العقل ليس نورا فطريا بل هو في البداية يكون صفحة بيضاء تتأسس كل معارفه على المعطيات الحسية صحيح أن الوعي بالشخص يتأسس على فعل التفكير إلا أن مصدر التفكير هو الحواس وليس المعطيات العقلية الفطرية .

مونيي :يمثل موقف الفيلسوف الفرنسي مونيي موقف التوجه الشخصاني الذي يرى أن الشخص ليس موضوعا يمكن تعريفه كما تعرف موضوعات العالم الخارجي بل هو فرادة وكينونة خاصة يعيشها كل إنسان بشكل مستقل وكل نظرة تجزيئية تحرمنا من تكوين صورة شمولية عن الشخص في كليته .

2 –ما هي القيمة الأخلاقية للشخص ؟يتحدد الإشكال انطلاقا من البحث في مصدر القيمة التي يتمتع بها الشخص من أين يكتسب الشخص قيمته ؟

- كانط :يرى الفيلسوف الألماني كانط أن الإنسان كائن يتميز عن غيره من مخلوقات الطبيعة بامتلاكه لملكة الفهم ،وهي ملكة العقل النظري الذي يتأسس على المعطيات الحسية والمقولات العقلية وذلك انطلاقا مما انتهى إليه كانط وهو يجيب عن سؤاله الأول :ماذا يمكنني أن أعرف ؟إلا أن ما يميز الإنسان فعلا ويجعله يتجاوز كل سعر هو امتلاكه لعقل أخلاقي عملي أي امتلاكه لقواعد أخلاقية داخلية بواسطتها يكون إنسانا .

- هيجل :في الفلسفة الألمانية خلال القرن 19م أصبح الشخص نتيجة لتخطيطات الروح :روح العالم أو الله هو الذي يمنح قيمة للإنسان انطلاقا من أن الإنسان في علاقته بروح العالم يكون علاقة أقرب إلى وحدة الوجود ويدخل بذلك في علاقة تأثير وتأثر تفسر بالجدل أو الديالكتيك الذي يعتبر محور المنهج الهيجلي القائم على التناقض .

-راولز :مع الفيلسوف الأمريكي راولز تتماهى القيمة الفلسفية للشخص مع التصورات الاجتماعية والبراغماتية ( النفعية ) حيث يرى أن القيمة الحقيقية للشخص تتأسس على مدى قدرته على التعاون مع الجماعة والاندماج فيها وعلى مدى ما يملكه من تصور للعدالة والإنصاف والخير وكلما كان الشخص قادرا على أن يحمل هذه المعاني ويوظفها في علاقته بالجماعة امتلك قيمة .

3 –هل الشخص حر أم يخضع لإكراهات ؟يبحث هذا الإشكال في مفهوم الشخص بين الحتمية والحرية أي فيما إذا كان الشخص حرا في ما يريد ويفعل أم يخضع لإكراهات ؟

سغموند فرويد :يرى رائد التحليل النفسي الطبيب النمساوي فرويد أن الأنا في علاقته مع باقي القوى التي تتحكم فيه ليس حرا بل هو خاضع لإكراهات الهو وقمع الأنا الأعلى حيث يمثل الهو الدوافع والرغبات في صورتها الطبيعية غير المنظمة بينما يمثل الأنا الأعلى إكراه المجتمع وموانع القيم التي يدين لها الشخص بالاحترام أو التقديس .

اسبينوزا :الفيلسوف الهولاندي العقلاني اسبينوزا يرى أن لا وجود لحرية إنسانية بل إن الناس يقولون بالحرية لجهلهم بحقيقة الأسباب والدوافع التي تحركهم فأن يكون الشخص حرا فإن عليه أن يخضع لضرورات الطبيعة ،.

مونيي :ضمن إطار التصور الشخصاني يرى مونيي أن الشخص حتى في علاقته بالجماعة يحافظ على فرادته واستقلاله فالشخص المندمج في الجماعة لا يفقد هويته بل إن محافظته على هذه الهوية هي ما يضمن حرية الجميع .

 

 

 

 

 

 

2الغير

الغير هو الآخر من الناس ،الإنسان الآخر أو كما عرفه الفيلسوف الفرنسي سارتر الأنا الذي ليس أنا فهو مماثل مشابه ولكنه في نفس الوقت مختلف .يطرح الغير كمفهوم فلسفي الإشكالات التالية :

- هل يوجد الغير في استقلال عن الأنا أم أن وجود أحدهما يرتبط بالآخر ؟(محور وجود الغير ).

-هل يمكن معرفة الغير ؟ (محور معرفة الغير ).

- ما هي طبيعة العلاقة مع الغير ؟  ( محور العلاقة مع الغير ) .

1 –هل يوجد الأنا في استقلال عن الغير ؟

يرى الفيلسوف الفرنسي ميرلوبونتي أن الغير حميمية وفرادة لا يمكن اقتحامها فهو ذات مستقلة بوعيها وحريتها فوجود الأنا والغير وجودان مستقلان منفصلان ،ويذهب الوجودي سارتر إلى تأكيد هذه الأطروحة مع تعديلها قليلا حينما يركز على الحرية كحقيقة جوهرية للإنسان ووجود الأنا إلى جانب الغير يخلق مشكلة تتمثل في حرية كل منهما فهما مستقلان إلا أن وجودهما معا يؤدي إلى الحد من حرية كل منهما لذلك كان سارتر يردد باستمرار الجحيم هم الآخرون لأن الغير يحد من حريتي بنظرته كما أحد من حريته بنظرتي ،وبالرجوع إلى تاريخ الفلسفة فلقد أكد الفيلسوف الألماني هوسرل أن الغير يحضر كمجال للتفكير انطلاقا من قصدية هذا التفكير فعندما أفكر فإنني أفكر في شيء ما مما يجعل حضور الغير ضروري كإدراك حسي وكوعي بوجود أغيار .

2 –هل يمكن معرفة الغير ؟ يؤكد الفرنسي الوجودي سارتر على أن العلاقة بين الأنا والغير هي علاقة تشييء متوقفة على الإدراك الحسي فعن طريق النظرة أرى الغير كموضوع وكشيء للإدراك ويراني كذلك إلا أن وجود أحدنا بالنسبة للآخر هو طريق الوعي بالوجود فحضور الغير أساسي لإشعاري بوجودي .وينظر مالبرانش إلى معرفة الغير من زاوية أخرى تبنى في الغالب على المماثلة فالغير مثيلي ولكنه ليس أنا الشيء الذي يعقد المعرفة خاصة إذا انطلقت من الذات ذلك أن معرفة الغير بالانطلاق من الذات شيء مستحيل وهنا يحافظ الغير على فرادته واستقلاله وحميميته.وانتهى ميرلوبونتي إلى أن الغير ليس شيئا أو موضوعا للمعرفة بل هو وجود مستقل يجب الاعتراف له بهذه الاستقلالية ومن تم احتضانه كأنا آخر والتعايش معه عبر التعاطف والإحساس به .

3 – ما هي طبيعة العلاقة مع الغير ؟ رغم غموض موقف الفيلسوف الألماني مارتان هيدغر فإنه يؤكد أن الغير يدخل في علاقة اشتراك مع الأنا انطلاقا من أن كلا منهما يعيش في العالم فمن خلال المعايشة والتجارب يشتركان معا في الوجود والعلاقة بينهما تتأسس على ذلك هما معا في الوجود . أما الباحثة الفرنسية جوليا كريستيفا فتؤكد أن الغير هاجس يوجد داخلنا قبل أن يوجد في الواقع وطبيعة العلاقة معه هي دائما مبنية على الخوف من الغريب فالغير غريب يجب منعه من الانحشار في شؤون الجماعة وهذا هو مصدر الرغبة في تدميره وإقصائه وتعالج هذه الباحثة ذات الأصول البلغارية ما يعانيه المغتربون والمهاجرون من إقصاء في بلدان استقبالهم وتدعو إلى موقف من الغير الغريب يعتمد على الاحتواء بدل الإقصاء .ويقترح ميرلوبونتي أن العلاقة مع الغير لا يمكنها أن تتأسس إلا على الحوار والتواصل بدل الإقصاء والإبعاد.

استنتاج :العلاقة مع الغير تتأسس على التواصل الوعي بأهمية الغير على مستوى الوجود أي أن وجود الغير مهم للإحساس بالكينونة فلا بد من مشاركته والانفتاح عليه بدل الإقصاء .

                                             إنجاز محمد دوال :ثانوية ابن خلدون آسفي     

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site